الانتخاب الطبيعي

مفهوم الانتخاب الطبيعي:

الانتقاء الطبيعي هو العملية التي من خلالها يتكيف ويتغير سكان المنظمات الحية، حيث أن الأفراد في المجتمع متغيرون بشكل طبيعي، مما يعني أنهم جميعًا مختلفون في بعض النواحي، ويعني هذا الاختلاف أن بعض الأفراد لديهم سمات أكثر ملائمة للبيئة من غيرهم.

داروين والانتقاء الطبيعي:

يمكن أن يؤدي الانتخاب الطبيعي إلى الانتواع، حيث يؤدي أحد الأنواع إلى ظهور نوع جديد ومختلف تمامًا، إذ إنها إحدى العمليات التي تقود التطور وتساعد على تفسير تنوع الحياة على الأرض، طور عالم الطبيعة الإنجليزي تشارلز داروين فكرة الانتقاء الطبيعي بعد رحلة استغرقت خمس سنوات لدراسة النباتات والحيوانات والحفريات في أمريكا الجنوبية والجزر في المحيط الهادئ، في عام 1859 لفت فكرة الانتقاء الطبيعي إلى انتباه العالم في كتابه الأكثر مبيعًا أصل الأنواع.

اختار داروين اسم الانتقاء الطبيعي ليتناقض مع “الانتقاء الاصطناعي” أو التربية الانتقائية التي يتحكم بها الإنسان، وأشار إلى هواية تربية الحمام، وهي هواية شائعة في عصره كمثال على الانتقاء الاصطناعي، ومن خلال اختيار الحمام الذي يتزاوج مع الآخرين ابتكر الهواة سلالات الحمام المتميزة مع الريش الفاخر أو الطيران البهلواني والتي كانت مختلفة عن الحمام البري.

جادل داروين وعلماء آخرون في عصره بأن عملية تشبه إلى حد كبير الانتقاء الاصطناعي تحدث في الطبيعة دون أي تدخل بشري، حيث جادل بأن الانتقاء الطبيعي أوضح كيف تطورت مجموعة متنوعة من أشكال الحياة بمرور الوقت من سلف واحد مشترك، لم يكن داروين يعلم أن الجينات موجودة، لكنه كان يرى أن العديد من السمات موروثة تنتقل من الأبوين إلى الأبناء، الطفرات هي تغييرات في بنية الجزيئات التي تتكون منها الجينات تسمى (DNA)، وتعد طفرة الجينات مصدرًا مهمًا للتنوع الجيني داخل السكان، إذ يمكن أن تكون الطفرات عشوائية على سبيل المثال عند حدوث خطأ أثناء تكرار الخلايا أثناء نسخ الحمض النووي، أو تحدث نتيجة التعرض لشيء ما في البيئة مثل المواد الكيميائية الضارة أو الإشعاع.

يمكن أن تكون الطفرات ضارة أو محايدة أو مفيدة في بعض الأحيان، مما يؤدي إلى سمة جديدة ومفيدة، وعندما تحدث الطفرات في الخلايا الجرثومية (البويضات والحيوانات المنوية) يمكن أن تنتقل إلى النسل، وإذا تغيرت البيئة بسرعة فقد لا تتمكن بعض الأنواع من التكيف بسرعة كافية من خلال الانتقاء الطبيعي، ومن خلال دراسة سجل الحفريات نعلم أن العديد من الكائنات الحية التي عاشت على الأرض انقرضت الآن والديناصورات هي أحد الأمثلة، إذ يمكن أن تساهم الأنواع الغازية أو كائن المرض أو التغير البيئي الكارثي أو حيوان مفترس ناجح للغاية في انقراض الأنواع، تعد الإجراءات البشرية مثل الصيد الجائر وتدمير الموائل السبب الرئيسي للانقراض، كما يبدو أن الانقراضات تحدث بمعدل أسرع بكثير اليوم، مما كانت عليه في الماضي كما هو موضح في سجل الحفريات.

التباين في الانتقاء الطبيعي:

الانتقاء الطبيعي هو إحدى الآليات الأساسية للتطور إلى جانب الطفرات والهجرة والانحراف الجيني، حيث إن فكرة داروين الكبرى عن التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي بسيطة نسبيًا، ولكن غالبًا ما يُساء فهمها، ولمعرفة كيفية عملها نتخيل مجموعة من الخنافس، حيث أن هناك تباين في السمات، على سبيل المثال بعض الخنافس خضراء والبعض الآخر بني.

هناك استنساخ تفاضلي، إذ نظرًا لأن البيئة لا يمكنها دعم النمو السكاني غير المحدود فلن يتمكن جميع الأفراد من التكاثر بكامل إمكاناتهم، في هذا المثال تميل الخنافس الخضراء إلى أن تأكلها الطيور وتعيش لتتكاثر بمعدل أقل مما تفعله الخنافس البنية.

كما أن هناك وراثة حيث تحتوي الخنافس البنية الباقية على صغار الخنافس البنية؛ لأن هذه الصفة لها أساس وراثي، إن السمة الأكثر فائدة هي اللون البني الذي يسمح للخنفساء بأن يكون لها نسل أكثر  ويصبح أكثر شيوعًا بين السكان، حيث إذا استمرت هذه العملية في النهاية سيكون كل الأفراد في السكان بنيًا، حيث إذا كان هناك تنوع وتكاثر تفاضلي ووراثة فسيكون هناك تطور عن طريق الانتقاء الطبيعي كنتيجة، وتوصل العلماء إلى العديد من الأمثلة على الانتقاء الطبيعي وهو أحد الآليات الأساسية للتطور.

يمكن أن يتشكل السلوك أيضًا من خلال الانتقاء الطبيعي، حيث ان السلوكيات مثل طقوس تزاوج الطيور ورقصة النحل وقدرة الإنسان على تعلم اللغة لها أيضًا مكونات وراثية وتخضع للانتقاء الطبيعي، في بعض الحالات يمكن ملاحظة الانتقاء الطبيعي مباشرة، إذ تُظهر البيانات المقنعة للغاية أن شكل مناقير العصافير في جزر غالاباغوس قد تتبع أنماط الطقس: بعد الجفاف يكون لدى العصافير مناقير أعمق وأقوى تسمح لهم بأكل بذور أقوى.

في حالات أخرى أدى النشاط البشري إلى تغيرات بيئية تسببت في تطور السكان من خلال الانتقاء الطبيعي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك تعداد الفراشات السوداء في القرن التاسع عشر في إنجلترا، والتي ارتفعت وانخفضت بالتوازي مع التلوث الصناعي، إذ يمكن غالبًا ملاحظة هذه التغييرات وتوثيقها.