ما يقال عند عقد النكاح

وردت العديد من الآثار التي دلّت على استحباب أقوال معيّنة عند عقد النكاح أو قبله، وفيما يأتي بيانها:

  • يُستحبُّ للخاطب إن عزم على عقد النكاح أن يبدأ بحمد الله -تعالى- والثَّناء عليه، وأن يصلِّي على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، وأن يقول: “أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله”، ثمَّ يقول: “قدِمتُ إليكم أطلب ابنتكم أو فتاتكم ويَذكر اسمها واسم أبيها”.[١]
  • ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قوله: “الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)،[٢] وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)،[٣] وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)“.[٤]
وقد جاء ذلك في رواية صحيحة أخرجها الشوكاني وابن الملقّن بدأت بقول الرسول لأصحابه: (إذا أراد أحدُكم أن يخطبَ لحاجةٍ من النكاحِ أو غيرِه فليقلْ)،[٥] ثم ساق الكلام والآيات السابقة.[٦]
  • يستحبُّ كذلك أن يُقال مثلما قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: “أنكحتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”.[٧]
  • يُستحبّ عند الشافعيَّة في النكاح خطبتين؛ خُطبة قبل الخِطبة، والأخرى قبل العقد، وتكون الخطبة من قِبَل الخاطب أو غيره،[٨] ثمَّ بعد الانتهاء من الخطبة يُعقَدُ العقد، ويُشهِد عليه رجلين ممن توافرت فيهما شروط الشَّهادة.[٩]

الألفاظ التي يصحُّ بها عقد النِّكاح

يقوم النِّكاح على ثلاثة أركان؛ العاقدان، والإيجاب، والقبول، فالعاقدان هما الزَّوجان اللّذَيْن توفَّرت فيهما الشُّروط التي تؤهّلهما للزَّواج، وانتفت عنهما الموانع؛ كمانع النسب أو الرضاع وغير ذلك، والإيجاب هو ما يصدر من الولي أو موكّله ممَّا يعبِّر فيه عن إرادة النِّكاح، ويكون بلفظ النِّكاح أو الزَّواج، أمَّا القبول فهو ما يصدر من الزَّوج أو موكِّله ممَّا يعبِّر فيه عن قبوله بما صدر من الطَّرف الآخر، وذلك بقول قَبِلت أو رَضِيت، مع ضرورة الإشارة إلى وجوب تقدُّم الإيجاب على القبول.[١٠][١١]

الألفاظ المتَّفقُ على انعقاد النِّكاح بها

اتَّفق الفقهاء بالإجماع على أنَّ العقد ينعقد بلفظ النِّكاح والزَّواج،[١٢] ويُعتبر هذان اللّفظان هما اللَّفظان الصريحان في النِّكاح،[١٣] أمَّا ما دون ذلك من الألفاظ فهي محلُّ خلافٍ، وقد ورد هذين اللَّفظين في القرآن الكريم في قوله -تعالى-: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا)،[١٤] وقوله -تعالى-: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ)،[١٥] وقوله -تعالى-: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ).[١٦][١٧]

الألفاظ المختلف على انعقاد النِّكاح بها

تعدّدت آراء بين الفقهاء في كلِّ لفظٍ من ألفاظ التَّمليك وبقائه ما دامت الحياة؛ كلفظ الهبة، والعطيَّة، والبيع، والصَّدقة، وفيما يأتي بيان أقوال الفقهاء في ذلك:[١٨]

  • قال الحنفيَّة والمالكيَّة بجواز انقعاد النِّكاح بها بشرط النيَّة أو وجود قرينةٍ قويَّةٍ تدلُّ على إرادة عقد النِّكاح؛ كجمع النَّاس أو ذكر المهر وفهم الشُّهود لإرادة النِّكاح، معلِّلين ذلك أنَّ المُراد هو التعرُّف على ما يريده العاقدين بغضِّ النَّظر عمَّا استخدموا من ألفاظٍ تعبِّر عن هذه الإرادة، واستدلُّوا بذلك على ورود ما يدلُّ على الهبة والتَّمليك في قول الله -تعالى-: (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)،[١٩] واستدلّوا كذلك بقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لرجلٍ لم يملك مهراً يقدِّمه: (قدْ مَلَّكْتُكَها بما معكَ مِنَ القُرْآنِ).[٢٠]
  • قال الشافعيَّة والحنابلة باقتصار عقد النِّكاح على لفظ النِّكاح والتَّزويج، مستدلِّين بأنَّ اللّفظين وردا في القرآن الكريم فيجب الاقتصار عليهما، ولا يصحُّ استخدام ما دونهما من الألفاظ، معلِّلين قولهم بأنَّ العقد يُعتبر فيه النيَّة مع اللّفظ معاً، وردّوا على آية الأحزاب أنَّها تخصيصٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيما يتعلَّق بالحديث فهو إمَّا أنَّ الرَّاوي قد توهَّم فيه، أو أنَّه رواه بالمعنى معتقداً ترادف الألفاظ، وبالتالي فقد وقع التعارض بين هذه الرواية للحديث ورواية: (قدْ زَوَّجْنَاكَهَا بما معكَ مِنَ القُرْآنِ).[٢١]
وقال الشافعية والحنابلة بأنَّ النِّكاح من العبادات، ويجب الالتزام بلفظه من باب التعبُّد، فالعبادات يُؤتى بأذكارها من الشَّرع، واللّفظان اللّذان وردا في الشَّرع فيما يتعلَّق بالنِّكاح هما الإنكاح والتَّزويج، وهذا قول سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- وعطاء والزهري وربيعة.[٢٢]

ما يجوز به النكاح وما لا يجوز عند الحنفية

قام الحنفيَّة بتقسيم ما يجوز به النِّكاح وما لا يجوز إلى ما يأتي:[٢٢]

  • الألفاظ غير لفظ النِّكاح والزَّواج، كالهبة والصَّدقة والتَّمليك: اتُّفِقَ على وقوع النِّكاح بها من قِبَل أصحاب المذهب، واختلفوا فيه بالمذاهب الأُخرى.
  • لفظ البيع: نحو “بعت نفسي منك أو ابنتي، واشتريت بكذا”، وقع فيه خلاف داخل المذهب، والصَّحيح انعقاد النِّكاح به، ولفظ السَّلَم؛ قيل لا ينعقد؛ لكونه لا يصحُّ في الحيوان، وقيل ينعقد؛ لأنَّه تثبت به الملكيَّة، والمنقول عن أبي حنيفة هو انعقاد العقد به، ولفظ الصَّرف؛ قيل لا ينعقد؛ لأنَّه جاء لإثبات الملكيَّة في الدنانير والدراهم التي لا تتعيَّن، وقيل ينعقد؛ لأنَّه يُثبت الملكيَّة بالمجمل، أمَّا لفظ القرض؛ فقيل ينعقد؛ لأنَّه يُثبت الملكيَّة، وقيل لا ينعقد؛ لأنَّ في معناه الإعارة، ولفظ الصلح؛ قال صاحب كتاب الأجناس بعدم الانعقاد، وقال السرخسي بالانعقاد.
  • لفظ الإجارة: وقع فيه خلاف داخل المذهب، والصَّحيح عدم انعقاد النِّكاح به؛ ذلك لأنَّ الإجارة هي ملكيَّةٌ مؤقَّتةٌ، ويُشترط في النِّكاح أن لا يكون مؤقّتاً، وقال صاحب الفتح لا ينعقد؛ لأنَّ المرأة صارت مُستأجرةً في هذه الحالة، أمَّا إن جُعلت المرأة بدل إجارة أو رأس مال السَّلَم فيجوز، ولا يصحُّ بلفظ الوصيَّة؛ لأنَّها مِلك بعد وفاة المُملِّك، وقال الكرخي يجوز بشرط تقييده بالوقت الحاضر، وكذلك قال صاحب الفتح، أمَّا إن أطلق لفظ الوصيَّة دون أن يخصّصه بالحال أو بعد الوفاة قيل لا ينعقد، وقال الطحاوي ينعقد.

ما يجوز به النكاح وما لا يجوز عند المالكية

قسّم المالكيَّة ألفاظ التزويج إلى عدَّة أقسام كما يأتي: [٢٣]

  • لفظ الزَّواج والنِّكاح: ينعقد فيه النِّكاح، سواءً ذَكَرَ المهر أم لم يذكره.
  • لفظ الهبة: كأن يقول: “وهبت لك ابنتي بكذا”، ولا ينعقد به النِّكاح إلَّا إن ذكر المهر .
  • كلُّ لفظٍ يدلُّ على البقاء والتَّمليك في الحياة: كلفظ “بِعتُ، وملَّكتُ، وأحللتُ، وأعطيتُ، ومنحتُ”، فيتردَّد وقوع النِّكاح فيه وعدم وقوعه، وقال ابن القصار وعبد الوهاب وابن العربي والباجي -رحمهم الله- بانعقاد النِّكاح بشرط ذكر المهر، وقال ابن رشد بعدم الانعقاد حتى لو ذكر المهر.

الألفاظ المتَّفق على عدم انعقاد النِّكاح بها

اتَّفق الفقهاء على عدم انعقاد النِّكاح بكلِّ لفظٍ ليس فيه الدَّلالة على التَّمليك في الحال وبقاء هذا التمليك مدَّة الحياة؛ وذلك كلفظ الحبس، والإعارة، والإجارة،[٢٣] أو الإباحة، والمتعة، والوصيَّة، والرهن، والوديعة؛[١٢] وذلك بسبب عدم تمليك هذه الألفاظ للمتعة، كما لا ينعقد بلفظيّ الإقالة والخُلْع؛ لأنَّهما يُستخدمان لفسخ عقدٍ ثابتٍ، كما لا ينقعد بلفظٍ تبدَّلت حروفه؛ كأن يقول تجوَّزت بوضع الجيم قبل الزَّاي، ويُستثنى من ذلك ما إذا اتَّفق القوم على النُّطق به عادةً بالعُرف، وأن يكون اللَّفظ ذا معنى ومقصد معروف لديهم، فيجوز النِّكاح به عندئذٍ.[٢٤]